المناوي

مقدمة 9

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

فإذا كانت حياة بغداد والبصرة والكوفة في قرنها الثاني والثالث قد ضاقت عنها المذاهب الفقهية ، وأفكار المعتزلة ، وتأملات المتصوفة ، وأدب القصاص فهل تظن بأن بغدادنا اليوم أغنى من بغدادنا بالأمس ؟ ! الطرق إلى اللّه بعدد الأنفس . فكيف أستطيع أن أحمل أخي على رأي ؟ وأخاصمه على فكرة فرعية ؟ وأوليه ظهري لخلاف عابر ؟ ! وهذه التباشير لا بدّ لها من دراسة عميقة متأنية لتراث أمتنا ، دراسة تامة شاملة تبتعد فيه عن الانتقائية ، وتستبعد الاختيار . دراسة لتراثنا كما هو ، لا كما نحب أن يكون ، فليس كل تاريخنا مشرقا ، ولا كلّ مراحله فرحا ، وما مثلنا إن لم ندرس إلا الإلماعات المشرقة وندع البؤر السوداء إلا مثل مريض ذهب لطبيبه يشرح له سلامة أعضائه ، وقوة شكيمته ، ويكتم عنه ما يعانيه ويجده ، ويخفي علله وأسقامه . تباشير الفجر لا بدّ لها من دراسة تراثها دراسة شمولية كلية ، ومن ثم تتمّ عملية الانتقاء والتمحيص والاختيار ، ولا عكس . ومن جملة هذه الدراسة الشمولية الكلية لا بدّ لها أن تقف مطولا عند التصوف . فالتصوف جزء لا يتجزأ من تاريخ هذه الأمة ، والعامل الفاعل في مراحل كثيرة من حياتها سلبا أم إيجابا ، كثيرون يرون أنه خير محض ، ولا بديل عنه ، وآخرون لا يجدونه إلا شرّا ووبالا على هذه الأمة وسببا لما حلّ بها من المآسي . التصوف مثله مثل أيّ تيار عرفته هذه الأمة ، له ماله وعليه ما عليه ، محاسنه ومساؤه بقدر قربه من الكتاب والسنة ، وبعده عن الإشراك والكفر والحلول والاتحاد . ولا ينقضي عجبي من أمر كتب القوم كيف آلت لما هي عليه الآن ، افتقرت لأبسط مبادئ الاعتناء ، وأقل مراحل الاهتمام ، وبقي أكثرها طي الإهمال والنسيان .